فضاء الأفق للعمل الجمعوي

                    
      

 

الحكامة الجيدة و التنمية البشرية

تقييم المستخدم:  / 12
سيئجيد 

مقدمة
ما يزال الحديث عن التنمية البشرية المستدامة والحكامة في مرحلتهما الأولى، وبخاصة في عالمنا العربي، فحتى عهد قريب وربما قبيل صدور تقارير الأمم المتحدة الإنمائية،

كان المقصود بالتنمية هو النمو الاقتصادي، واستبدل التركيز من النمو الاقتصادي، الى التركيز على مفهوم التنمية البشرية والى التنمية المستدامة فيما بعد، أي الانتقال من الرأسمال البشري الى الرأسمال الاجتماعي وصولاً الى التنمية البشرية ببعدها الشامل، أي الترابط بكل مستويات النشاط السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي، بالاستناد الى نهج متكامل يعتمد على مبدأ المشاركة والتخطيط الطويل الأمد في حقول التعليم والتربية والثقافة والإسكان والصحة والبيئة وغيرها، ويتوخى قدراً من العدالة والمساءلة والشرعية والتمثيل.
من هنا نشأت العلاقة بين مفهوم الحكامة الجيدة والتنمية الإنسانية المستدامة، لأن الحكامة هي الضامن لتحويل النمو الاقتصادي الى تنمية إنسانية مستدامة. ومع ذلك فقد ظل المفهوم بحاجة الى تأصيل خصوصاً في المنطقة العربية، التي تعاني من ضعف المشاركة ومركزية الدولة الشديدة الصرامة وعدم إعطاء دور كاف لهيئات الحكم المحلي، ناهيكم عن إبعاد مؤسسات المجتمع المدني من المساهمة وعدم توّفر بيئة صالحة سياسية وفكرية واقتصادية واجتماعية لذلك، سواء على صعيد التشريعات أو بسبب ضيق مساحة الحريات الخاصة والعامة وبشكل خاص الحريات الأساسية.
في هذا العرض سنسلط الأضواء على الإطار المفاهيمي لكل من الحكامة والتنمية البشرية في المبحث الأول، ثم سنحاول رصد العلاقة بين الحكامة الجيدة والتنمية البشرية في المبحث الثاني.

المبحث الأول : الاطار المفاهيمي للحكامة الجيدة والتنمية البشرية:
المطلب الأول: الحكامة الجيدة:
تعريف:

الحكامة هي أولا و قبل كل شيء تعبير عن ممارسة السلطة السياسية و إدارتها لشؤون المجتمع و موارده.
و هذا هو التعريف المعتمد من طرف أغلب المنظمات الدولية.
و هو في واقع الأمر مفهوم قديم يدل بالأساس على آليات و مؤسسات تشترك في صنع القرار.
و منذ عقدين طرأ تطور على هذا المفهوم و أصبح يعني حكم تقوم به قيادات سياسية منتخبة وأطر إدارية كفئة لتحسين نوعية حياة المواطنين و تحقيق رفاهيتهم، و ذلك برضاهم و عبر مشاركتهم و دعمهم.
-
الأبعاد الأساسية للحكامة الجيدة :
ووفقاً لهذه الزوايا التي سبقت الإشارة إليها يمكن قراءة الأبعاد الأساسية للحكامة الجيدة من خلال:
1-
البعد السياسي ويعني طبيعة النظام السياسي وشرعية التمثيل والمشاركة والمساءلة والشفافية وحكم القانون.
2-
البعد الاقتصادي والاجتماعي بما له علاقة بالسياسات العامة والتأثير على حياة السكان ونوعية الحياة والوفرة المادية وارتباط ذلك بدور المجتمع المدني واستقلاليته.
3-
البعد التقني والإداري أي كفاءة الجهاز وفاعليته، فلا يمكن تصور إدارة عامة فاعلة من دون الاستقلال عن النفوذ السياسي، ولا يمكن تصوّر مجتمع مدني دون استقلاليته عن الدولة ولا تستقيم السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بغياب المشاركة والمحاسبة والشفافية، هكذا إذا يحتاج الأمر الى درجة من التكامل.
لعل نقيض الحكامة الجيدة هو الحكامة السيئة وذلك من خلال المعايير التالية:
§عدم تطبيق مبدأ سيادة القانون أو حكم القانون
§عدم الفصل الواضح والصريح بين المال العام والمال الخاص وبين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة.
الحكم الذي لا توجد فيه قاعدة شفافة للمعلومات وعلى العكس من ذلك قاعدة ضيقة لصنع القرار..
§ضعف شرعية الحكام وتفشي ظاهرة القمع وهدر حقوق الإنسان.
§الحكم الذي لا يشجع على الاستثمار خصوصاً في الجوانب الإنتاجية ويدفع الى الربح الريعي والمضاربات
المطلب الثاني: التنمية البشرية:
مفهوم التنمية البشرية:
كان مفهوم التنمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية عقد الثمانينات -قاصرًا على كمية ما يحصل عليه الفرد من سلع وخدمات مادية، ولكن مع تدشين مفهوم التنمية البشرية سنة 1990 عندما تبناه برنامج الأمم المتحدة للإنماء، أصبح الإنسان هو صانع التنمية وهدفها. كيف يمكن قياسها؟ وما هي التحديات التي تواجه دولنا في القرن القادم لتحقيق التنمية البشرية؟ ما مقومات هذه المفهوم؟
ونظرًا لأن البشر هم الثروة الحقيقية لأي أمة، لذا فإن قدرات أي أمة تكمن فيما تمتلكه من طاقات بشرية مؤهلة ومدربة وقادرة على التكيف والتعامل مع أي جديد بكفاءة وفاعلية. وما تجربة دول جنوب شرق آسيا منا ببعيد، فتلك الأمم التي قطعت على نفسها التزامات هامة تجاه تجميع رأس المال البشري وتحويله إلى طاقة وميزة تنافسية عالية تم توجيهها إلى استثمارات عالية الإنتاجية؛ كان مبعثه إيمانها بأن سر نهضتها ونموها يكمن في عقول أبنائها وسواعدهم. وقد كان ثمار ذلك أن حققت اقتصادات تلك البلدان معدلات متسارعة من النمو فاقت بها أكثر البلدان تقدمًا حتى أطلق عليها النمور الآسيوية، وأصبحت مثلا يحتذى به لكل من أراد أن يلحق بركب التقدم. وحتى عندما تعرضت تلك البلدان لأزمة مالية كبيرة خلال السنوات الأخيرة استطاعت أن تسترد عافيتها بسرعة فاقت التوقعات، وهو ما أرجعه الخبراء إلى الثروة البشرية التي تمتلكها تلك البلدان، وما تتمتع به من جودة وكفاءة عالية.

تطور مفهوم التنمية البشرية

وبإخضاع تجربة "النمور الآسيوية" للفحوصات التنموية بمعمل تاريخ الفكر الاقتصادي نجد أن تفسيرها يندرج تحت مفهوم التنمية البشرية، ذلك المفهوم الذي اكتسب انتشارا بحلول عام 1990 عندما تبنَّاه برنامج الأمم المتحدة للإنماء.
ويقوم هذا المفهوم على أن "البشر هم الثروة الحقيقة للأمم، وأن التنمية البشرية هي عملية توسيع خيارات البشر".
فالتنمية البشرية لا تنتهي عند تكوين القدرات البشرية مثل: تحسين الصحة وتطوير المعرفة والمهارات؛ بل تمتد إلى أبعد من ذلك حيث الانتفاع بها سواء في مجال العمل من خلال توفر فرص الإبداع، أو التمتع بوقت الفراغ، أو الاستمتاع باحترام الذات وضمان حقوق الإنسان، أو المساهمة الفاعلة في النشاطات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية ونظرًا لكل ذلك أصبحت التنمية البشرية توجهًا إنسانيًّا للتنمية الشاملة المتكاملة وليست مجرد تنمية موارد بشرية.
وبالتالي فقد جاء مفهوم التنمية البشرية على النحو السابق أكثر اتساعًا وشمولاً عن تلك المفاهيم التنموية التي كانت سائدة أعقاب الحرب العالمية (الغربية) الثانية وحتى نهاية عقد الثمانينات؛ والتي كانت تستند على أن التنمية تقتصر على كمية ما يحصل عليه الفرد من سلع وخدمات مادية، إذ كلما استطاع الفرد أن يحصل على المزيد من تلك السلع والخدمات كلما ارتفع مستوى معيشته؛ وبالتالي زادت رفاهيته، وهنا تتحقق التنمية. إلا أنه مع توسيع مفهوم التنمية ليشمل غايات وأهداف أخرى إضافة إلى الأهداف الاقتصادية أصبحت التنمية معه ترتبط بجودة حياة البشر؛ وليس حياتهم فحسب. وهو ما أكدت عليه الإصدارات المتوالية من تقرير التنمية البشرية للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، حيث ناقشت عددًا من القضايا المرتبطة بجودة حياة البشر مثل: الفقر البشري]والمقصود به ليس فقر الدخول، ولكن يمتد المفهوم إلى حرمان الإنسان من الحياة التي يمكن أن يعيشها، مثل: عيش حياة طويلة يتمتع فيها بالصحة والقدرة على الإبداع والتمتع بمستوى معيشي لائق وبالحرية والكرامة واحترام الآخرين[، والمساواة بين الجنسين، والأمن البشرى ليس من منطلق مفهومه التقليدي الذي ينصب على حماية المصالح القومية من العدوان الخارجي في صوره المختلفة أو الحماية من المرض والجوع والبطالة؛ بل من خلال مفهوم أكثر شمولاً يتضمن مجالات جديدة أخرى للأمن منها: السياسي والاقتصادي والاجتماعي والشخصي والصحي والبيئي والغذائي

مقياس التنمية البشرية:

وعلى الرغم من الثراء اللامتناهي لمفهوم التنمية البشرية إلا أن محاولات تأليف مقياس للتنمية البشرية قد اتسمت بالضعف والقصور، حيث أسفرت عن مقياس يجمع بين ثلاثة مؤشرات لا تعبر عن المفهوم بكفاءة، وتتمثل هذه المؤشرات في: توقع الحياة عند الميلاد أو (أمل الحياة)، معدل أمية البالغين، نصيب الفرد من الناتج المحلى الإجمالي . حيث كان أبرز الانتقادات على هذا المقياس هو بساطته الشديدة التي يفتقد معها الوصول إلى فهم أشمل لمستويات الرفاهة الإنسانية وتغيراتها، وذلك نظرًا لإغفاله عددًا من المؤشرات المعبرة عن الجوانب المختلفة للرفاهة الإنسانية، هذا فضلا عن السلبيات التي تحيط بالمؤشرات الثلاث، فمثلا مؤشر توقع الحياة عند الميلاد -الذي يقصد به متوسط سنين عمر الإنسان- قد لا يعبر بالضرورة عن مدى سلامة الصحة البدنية والنفسية للأفراد، أما معدل أمية البالغين فإنه لا يعكس مستوى التعليم ومدى مساهمته في إكساب الأفراد المعرفة وتنمية قدراتهم، وفيما يتعلق بنصيب الفرد من الناتج فهو مؤشر مشكوك في دقته عند الأخذ في الحسبان معايير عدم العدالة في توزيع الدخل.

المبحث الثاني: الحكامة الجيدة والتنمية البشرية أية علاقة؟
المطلب الأول: التنمية البشرية في الإطار الوطني (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كنموذج)
التنمية البشرية في الإطار الوطني:
كان هاجس التنمية البشرية دائم الحضور في السياسات وفي الخطاب العمومي بالمغرب خاصة كاهتمام اجتماعي، وقد تزايد هذا الاهتمام من جراء انعكاسات السياسات الاقتصادية المتحفظة المرتبطة ببرنامج التقويم الهيكلي لبداية الثمانينيات، الذي أعطى الأولوية للإصلاحات التجارية والتوازنات المالية.
وتبعا لذلك، تم تهيئ التنمية الاجتماعية تبعا مع البنك الدولي، وصودق عليها سنة 1993، وترمي هذه الإستراتيجية إلى توجيه أكثر للموارد العمومية نحو الأعمال الاجتماعية التي تستفيد منها الفئات المحتاجة بالخصوص ومن أهدافها ذات الأولية:
-
توسيع الولوج إلى الخدمات الأساسية.
-
توفير ظروف زيادة فرص الشغل والأنشطة المدرة للدخل.
-
دعم برامج المساعدة للفئات المحتاجة.
وقد تضمنت هذه الإستراتيجية كذلك الجانب المؤسساتي المتعلق بالتنسيق والتتبع والآليات.
وعلى أساس هذه الإستراتيجية أعد: برنامج الأوليات الاجتماعية (BAJ1) كشطر أول لتنفيذها، وقد هم 14 إقليما من الأقل نموا، وشمل قطاعات التعليم والصحة والإنعاش الوطني بالإضافة إلى هياكل التنسيق والتتبع.
وقد تميزت فترة انجاز هذا البرنامج بتنفيذ برامج قطاعية أخرى لها وقع اجتماعي هام بالوسط القروي (البرنامج الشمولي لتزويد الوسط القروي بالماء الصالح للشرب، الكهربة القروية، البرنامج الوطني لبناء الطرق القروية.)
كما تم في نفس الفترة وضع برامج نموذجية " للتنمية البشرية ومحاربة الفقر" بتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
كل هذه البرامج أتاحت الظروف الملائمة لانجاز عدة دراسات وتحاليل تتعلق
بالتنمية البشرية ومحاربة الفقر وبتنمية المعلومات والخبرات في هذا الميدان.

وقد توجت كل هذه الجهود المبذولة بالإعلان عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في الخطاب الملكي لـ 18 ماي 2005 بإعطاء نفس جديد وحجم استثنائي لأعمال التنمية البشرية ومحاربة الفقر والتهميش ببلادنا.
المبادرة الوطنية للتنمية البشرية
أعلن صاحب الجلالة الملك محمد السادس عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كورش وطني سيستهدف تأهيل العنصر البشري ويجعل من هذا الهدف أساس مقاربة جديدة للتنمية الشاملة، وقد أحاط الخطاب الملكي السامي بمختلف مناحي هذه المبادرة من حيث أهدافها ومرتكزاتها ومساطر لتنفيذ وطرق تمويل البرامج.
الأهداف والمرتكزات:
تهدف المبادرة الوطنية إلى تقليص نسبة الفقر، ومحاربة الهشاشة والتهميش والإقصاء الاجتماعي وذلك عبر:
-
دعم الأنشطة المدرة للدخل
-
تنمية القدرات
-
تحسين وضعية الولوج إلى الخدمات والتجهيزات الأساسية (تعليم،صحة، ماء صالح للشرب، طرق...)
-
دعم الأشخاص في وضعية هشاشة قصوى.
المبادرة تمكن من إذكاء دينامية للتنمية البشرية متناغمة مع أهداف الألفية، وترتكز على المبادئ الآتية:
-
احترام كرامة الإنسان،

-
حماية وتعزيز حقوق المرأة والطفل،
-
بث الثقة في المستقبل لدى المواطن،
-
إشراك وإدماج المواطنين في المسلسل الاقتصادي.
المبادرة الوطنية تعتمد مقاربة متمركزة تحترم المبادئ الآتية:
-
المشاركة،
-
التخطيط الاستراتيجي،
-
الشراكة والتناغم،
-
الحكامة الجيدة.
البرامج ذات الأولوية:
تترجم تجليات المبادرة الوطنية إلى أربعة برامج ذات الأولوية تنسجم في جوهرها مع أهداف المبادرة وهي :

برنامجان يهمان مجموع العمالات والأقاليم:
*
البرنامج الأفقي
*
برنامج محاربة الهشاشة والتهميش
برنامجان على المستوى الترابي:
*
برنامج محاربة الإقصاء الاجتماعي في الوسط الحضري ويستهدف 250 من الأحياء الحضرية.
*
برنامج محاربة الفقر في المجال القروي ويستهدف 360 جماعة قروية.
التمويل والأجرأة:
يرصد للمبادرة الوطنية غلاف إجمالي لفترة (2006-2010) يصل إلى 10 ملايير درهم توزع بالتساوي على مختلف البرامج أي 2،5 مليار درهم لكل برنامج.
أما المساطر المعتمدة لتمويل المبادرة فيتوخى التبسيط حيث تم إحداث حساب خاص بالمبالغ اللازمة لإنجاز البرامج ذات الأولوية وفق تركيبة مالية قوامها:
-
مساهمة الميزانية العامة للدولة بـ 06 مليار درهم.
-
مساهمة ميزانيات الجماعات المحلية بـ 02 مليار درهم.
-
مساهمة برامج التعاون الدولي بـ 02 مليار درهم.
وفي مجال أجرأة المبادرة الوطنية فقد اعتمد على الخريطة الجماعية للفقر (1974) وكذا معطيات حول السكن غير اللائق لتحديد المجال الترابي للتدخل بالنسبة للبرنامج الإستعجالي، كما تم تحديد معايير لانتقاء المشاريع المعروضة على تمويل المبادرة الوطنية تأخذ بعين الاعتبار مساهمة المشروع في تحسين مؤشرات التنمية البشرية وتولي
عناية خاصة للمشاريع المدرة للدخل وتحث كذلك على الاعتماد على القروض الصغرى المتوفرة محليا.
مساطر التنفيذ:
أحدثت هياكل للإشراف على أجرأة المبادرة الوطنية وعلى إنجاز البرامج المرتبطة بها واتخذت ذات الهياكل صيغة لجن متناسقة العمل بشكل هرمي من المستوى الوطني إلى المحلي مرورا بالمستويين الجهوي والإقليمي، وقد اعتمد في تركيبه لجن دون الوطنية على تمثيلية مختلف الفاعلين المحليين في الحقل التنموي في إشارة داعمة لمبدأ الشراكة والتشارك الذي أسس المبادرة الوطنية (هذه الهياكل والأجهزة سنتطرق إليها بتفصيل في المطلب الموالي).

المطلب الثاني: أجهزة تفعيل الحكامة في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية :
لأجل السهر على برامج ومخططات المبادرة ، رصدت العديد من الآليات والأجهزة التي تعتمد على مبادئ المجالية اللامركزية والاندماج والمشاركة، بالإضافة إلى تعبئة الموارد المالية الضرورية لانجاز البرامج والمشاريع المسطرة.
1-
أجهزة الحكامة المركزية:
على المستوى المركزي كلف الوزير الأول برئاسة "اللجنة الإستراتيجية للتنمية البشرية"، والتي تتكون من أعضاء الحكومة والمؤسسات والهيآت العامة . بالإضافة إلى إحداث " لجنة قيادة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية" برئاسة الوزير الأول والمكونة أساسا من:
وزارة الداخلية: التي تقع في مركز التدبير لأنها الوحيدة القادرة على تاطير وتغطية التراب الوطني،
وزارة المالية: التي تسهر على جانب التمويل،
وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة والطفولة: التي تعمل على تمكين الجمعيات من لعب دورها في تسيير السياسة المحلية،
كتابة الدولة المكلفة بالتنمية القروية،التي تقوم بتقريب ومقاربة مشاريع المبادرة بالعالم القروي.
ويتجلى الدور الذي يضطلع به جهاز الحكامة على المستوى المركزي في:
تحديد الاطار المالي،
رصد موارد تتناسب مع المبادرات المحلية للتنمية البشرية، وتتطابق مع التوجهات العامة للمبادرة،
التواصل المؤسساتي،
إنعاش التعاون الوطني،
التتبع العام لمؤشرات التنمية، والتقييم العام للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
2-
أجهزة الحكامة على المستوى المحلي، الإقليمي والجهوي:
تدعيما لسياسة اللامركزية التي تنهجها الدولة، ومن أجل مقاربة شمولية وعقلانية قريبة من حقيقة الواقع، أبت المبادرة إلا أن تشرك كل القوى المحلية الاقليمية والجهوية في رسم وتفعيل الخطوط الكبرى التي جاءت بها ، بالإصغاء والتشاور مع كل القوى الحية للأمة، من أحزاب سياسية ومنظمات نقابية ، جماعات محلية وهيئات المجتمع المدني....

-
على المستوى المحلي:

أحدثت "لجنة محلية للتنمية البشرية « تضم ممثلي ومنتخبي الجماعات والمقاطعات الحضرية، ورئيس اللجنة المكلفة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. بالاضافة إلى النسيج الجمعوي ،إلى جانب المصالح التقنية اللامركزية والسلطة المحلية.
ويتمثل دور اللجنة المحلية للتنمية البشرية في:
إعداد المبادرة الوطنية للتنمية البشرية على المستوى المحلي، مع إمكانية الدعم والمساءلة من طرف الجهات الخارجية،
التنفيذ العملي للمشاريع والأعمال المعتمدة على المستوى المحلي.
-
على المستوى الإقليمي:
أحدثت "اللجنة الإقليمية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية" يرأسها العامل وتضم المنتخبين من ممثلي الجماعات المحلية ، بما فيهم رئيس المجلس الإقليمي ورئيس المجلس الجماعي للمدينة مركز الإقليم.
بالاضافة إلى المصالح اللامركزية المعنية بما في دلك: الصحة والتربية الوطنية .
و تلعب هذه اللجنة دورا أساسيا في ضمان الانجاز الجيد للبرامج على المستوى الإقليمي بالإضافة إلى اعتبارها:
*
أداة ربط بين الهياكل الجماعية واللجنة التقنية الاقليمية ، واللجنة الوطنية ،
*
تلقي وتحليل وإحالة المخططات الجماعية للتنمية الاجتماعية وبرامج العمل على اللجنة التقنية الاقليمية للمصادقة عليها،
*
إحالة برامج العمل المصادق عليها من طرف الفاعلين المحليين على اللجنة الوطنية،
*
تقديم الدعم التقني الضروري للهيآت المحلية،
*
تنسيق الأنشطة المشتركة التي تهم عددا من الجماعات القروية،
*
تسهيل عمل بعثات المتابعة التي يقوم بها أعضاء اللجنة التقنية الاقليمية للجنة الوطنية المركزية.
- على المستوى الجهوي:
يسهر الوالي على " اللجنة الجهوية للتنمية البشرية" التي تضم، إلى جانب هذا الأخير، عمال الأقاليم والعمالات، ورئيس المجلس الجهوي، ورؤساء مجالس العمالات والأقاليم، والمصالح اللامركزية للدولة والمؤسسات العمومية المعنية بالاضافة إلى ممثلي النسيج الجمعوي الجهوي، قطاع القروض الصغرى، القطاع الخاص.
ويتمحور دور هذه اللجنة في:
خلق انسجام شامل بين المبادرات الاقليمية للتنمية البشرية ،
وتنظيم الأنشطة المشتركة على المستوى المحلي( دورات تكوينية، اتصال، الخ......)،
العمل على خلق انسجام شامل بين برامج الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية ، وعمليات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
3-
مرصد التنمية البشرية:
حتى يكون للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية جهازا خاصا بها يسهر على تحديد أولوياتها وتوجهاتها العامة ، كان من الضروري إحداث إطار قار تمثل في " المرصد الوطني للتنمية البشرية" ، الذي يتكون من فعاليات متعددة تتمثل في : الإدارات العامة، ممثلون عن البرلمان، بالاضافة إلى المجتمع المدني الذي يتكون من الجمعيات ، الجامعة، المقاولات والإعلام.
وتتمثل مهامه أساسا في:
انجاز دراسات وبحوث ميدانية حول قضايا الفقر والتهميش والإقصاء،
تتبع وتقييم وقع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية على مؤشرات التنمية البشرية ،
تعميم وتجميع التجارب الناجحة.

المطلب الثالث: إلى أي حد استطاعت المبادرة الارتقاء بتدبير الشأن العام المحلي إلى مستوى الحكامة الجيدة؟


لا شك أن هذه المبادرة ساهمت إلى حد كبير في تقليص نسبة العجز الاجتماعي ، عن طريق فتح أورشا قطاعية كبرى همت جميع المدن والقرى المغربية، وعملت على إرساء مبادئ الديمقراطية المحلية التي ترتكز على التعاقد و الشراكة بين مختلف الفاعلين.
لكن على مستوى تفعيل مختلف الاستراتيجيات التي جاءت بها على أرض الواقع نلمس بعض الثغرات:
1-
تغييب دور المجتمع المدني أثناء صياغة الخطوط الكبرى للمبادرة ، فهذا التغييب يزكي غياب مفهوم الحكامة الجيدة والديمقراطية التشاركي الذي يتردد في خطاب الدولة ومبادراتها على كافة المستويات والمجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لأن المعضلة الاجتماعية هي معضلة الجميع . وبالتالي لن يكون الحل الأمثل إلا بمشاركة الجميع مكونات المجتمع المدني. ومن المفارقات أن تتم دعوة هذا الأخير في مرحلة انجاز وتفعيل المبادرة ليس نتيجة للدور الهام الذي بات يلعبه في العملية التنموية ، ولكن رغبة من الدولة في احتواء الشأن الجمعوي، والتحكم في اتجاهاته خاصة بعد بروز مطالب الإصلاحات السياسية والاقتصادية داخل الجمعيات .
2-
لقد تم تشكيل اللجان المحلية والإقليمية والإعلان عن طلب اقتراح المشاريع بشكل استعجالي ، يتنافى مع حجم المشاريع التنموية التي تعتمد التشخيص التشاركي والتخطيط الاستراتيجي.
3-
عدم شمولية الأوراش التكوينية التي جاءت بها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لجميع الفاعلين الاجتماعيين،
4-
اقصاء العديد من الفئات الاجتماعية في المجالين الحضري والقروي من الاستفادة من مجموع البرامج التنموية المدرجة في المبادرة ،
5-
طبيعة المشاريع المقترحة لا ترقى إلى مستوى التطلعات ، فبالرغم من أن الأنشطة المدرة للدخل استجابت لحاجيات فئة من الساكنة المحلية ، إلا أنها تبقى جد محدودة.
من خلال سرد هذه الثغرات يتضح جليا عدم توافر شروط وأسس الحكامة الجيدة في تدبير الشأن المحلي، فعلى سبيل المثال لا الحصر نلاحظ :
-
عدم وجود تكامل بين عمل الدولة ومؤسساتها ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، كما سبق وأن أشرنا من قبل. فلا يمكن الحديث عن الحكامة دون تكريس المشاركة ، ولا وجود للحكامة إلا في ظل الديمقراطية.
-
ايلاء أهمية قصوى لحصيلة وانجازات المبادرة من حيث الكم وليس من حيث الجودة والفعالية.
و مجمل القول ان إشكالية العلاقة بين الحكامة والجيدة و التنمية البشرية رهين بعقليات وتصورات المسؤولين والفاعلين الساهرين على تدبير الشأن العام

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع